مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

318

تفسير مقتنيات الدرر

* ( أَهْلِكَ إِنَّه ُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ » وقرئ « إنّه عمل غير صالح » على صيغة فعل الماضي . و « غير » منصوب ونعت لمصدر محذوف أي إنّ ابنك عمل عملا غير صالح ، وهذا غلط لأنّه يمتنع أن يقع على الأنبياء شيء من القبائح وهذا السؤال قبيح . واختار المرتضى رحمه اللَّه أنّه ذو عمل غير صالح كقول الخنساء : « فإنّما هي إقبال وإدبار » أي هي ذات إقبال وذات إدبار . فإن قيل : فلم قال سبحانه : * ( [ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِه ِ عِلْمٌ ] ) * وكيف قال نوح * ( [ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِه ِ عِلْمٌ ] ) * ؟ قال : لا يمتنع أن يكون نهى عن سؤال ما ليس لك به علم وإن لم يقع ذلك منه وأن يكون تعوّذ من ذلك وإن لم يوقعه كما نهى اللَّه عن الشرك في قوله : « لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ » « 1 » وإن لم يجز وقوع ذلك منه وإنّما سأل نوح نجاة ابنه بشرط المصلحة لا على سبيل القطع . وقوله : * ( [ إِنِّي أَعِظُكَ ] ) * وأحذّرك * ( [ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ] ) * أي إنّي أعظك لئلَّا تكون من الجاهلين . وقيل في معنى « إنّه عمل غير صالح » : الضمير يرجع إلى ابن نوح كأنّه جعل عمل غير صالح للمبالغة كما يجعل الشيء الشخص لكثرة ذلك منه كقولهم : الشعر زهير ، من كثرة حذقه بالشعر . وقوله : * ( [ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ] ) * وإنّما قال ذلك على سبيل التخشّع والاستكانة للَّه وإن لم يسبق منه ذنب لأنّه دلَّت الدلائل الكثيرة بل ضرورة الإسلام عندنا أن ننزّه الأنبياء عن المعصية صغيرة كانت أم كبيرة ، وحصول العقاب والأمر بالاستغفار لا يدلّ على سابقة الذنب كما قال تعالى : « إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّه ِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّه ِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْه ُ » « 2 » ومعلوم أنّ مجيء نصرة اللَّه والفتح ودخول الناس في دين اللَّه أفواجا ليست بذنب يوجب الاستغفار وقال : في موضع آخر : « وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ » « 3 » وليس جميعهم مذنبين .

--> ( 1 ) الزمر : 65 . ( 2 ) الفتح : 1 - 3 . ( 3 ) محمّد : 19 .